كيف ستتأثر الطبيعة والفوائد التي توفرها للناس بمستويات ارتفاع درجات الحرارة؟
تدعم النظم البيئية الصحية والتنوع البيولوجي الغني بقاء الإنسان، فهي تقدم خدمات لا حصر لها تجعل من أرضنا مكانًا صالحًا للعيش.
ومع ذلك، فإن التغير المناخي وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة يؤثر بشكل جذري وتدريجي على الطبيعة ، مما يضعف كل من هيكل وطريقة عمل ومرونة النظم البيئية. ونتيجة لذلك، تتضاءل مساهمات الطبيعة في توفير رفاهية وسبل عيش الإنسان ، مما يهدد التنمية المستدامة والعادلة في الحاضر وفي المستقبل.
توفر النظم البيئية في العالم سواء التي على اليابسة والتي في المياه العذبة وفي المحيط مجموعة واسعة من الخدمات الأساسية للبشر، فهي تنتج الطعام الذي نأكله والأكسجين الذي نتنفسه، كما أنها تقوم بتصفية مياهنا وإعادة تدوير العناصر الغذائية وتساعدنا على الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري عن طريق تخزين كميات كبيرة من الكربون، علاوة على ذلك، فهي تبرد الهواء وتوفر مساحات خضراء أو زرقاء مثل الحدائق والبحيرات للمتعة والمغامرة والاسترخاء، وبالتالي تحسين صحتنا وعافيتنا العقلية. باختصار، إن النظم البيئية الصحية ضرورية لبقاء الإنسان ولجعل كوكبنا صالحًا للعيش.
يؤثر تغير المناخ بشكل جذري وتدريجي على التنوع البيولوجي والنظم البيئية في عالمنا، فدرجات الحرارة المتزايدة والأحداث المتطرفة مثل الجفاف والفيضانات وموجات الحر تعرض كل من النباتات والحيوانات لظروف مناخية لم تشهدها منذ عشرات الآلاف من السنين على الأقل، هذه الظروف وكثافتها وتواترها تجاوز قدرة العديد من الأنواع الحية على التكيف.
بناءً على الملاحظات المتزايدة والفهم الأفضل للعمليات، نعلم الآن أن مدى وحجم تأثيرات تغير المناخ على الطبيعة أكبر مما تم تقييمه سابقًا، حبث تظهر التأثيرات التي نراها اليوم بشكل أسرع بكثير، فهي أكثر اضطرابًا وانتشارًا مما كنا نتوقعه قبل 20 عامًا. ونحن نعلم أن تغير المناخ ينضاف بقوة إلى عوامل الضغط الأخرى بل ويزيد منها: فالعديد من النظم البيئية في عالمنا تواجه بالفعل أزمة التنوع البيولوجي بسبب الآثار البشرية مثل إزالة الغابات والتلوث والصيد الجائر وتغير استخدام الأراضي. بالنسبة للعديد من النظم البيئية، تعتبر تأثيرات تغير المناخ ضغوطًا إضافية بل وحتى عبئًا مميتًا.
نرى عددًا متزايدًا من الدراسات العلمية التي تقدم أدلة متعددة تُظهر تأثيرات تغير المناخ. تؤدي درجات الحرارة المتزايدة والأحداث المتطرفة إلى تغيير التوقيت الموسمي للأحداث البيولوجية الرئيسية مثل الإزهار، ووقت خروج الحيوانات من السبات، والهجرة السنوية بالنسبة للطيور، مما يتسبب في عدم التطابق مع مصادر الغذاء الموسمية المهمة. ومن الأمثلة على ذلك تفاوت توقيت تفريخ الأسماك مع تكاثر العوالق التي تعتمد عليها يرقات الأسماك في الغذاء، وتوافر الحشرات في وقت تكاثر الطيور.
يؤدي الإحترار كذلك إلى تغيير النباتات والحيوانات لمواقع تواجدها الطبيعية، فقد تتوجه لأعماق سحيقة في البحر أو العكس وقد تتوجه نحو القطب أو نحو خط الإستواء، ففي المحيط مثلا، حولت النباتات والحيوانات البحرية بما في ذلك مجتمعات بأكملها توزيعاتها إلى القطب بمعدل سرعة 59 كم في كل عقد بسبب زيادة درجات حرارة المياه. كما يلعب ارتفاع حمضية المحيطات وانخفاض الأكسجين في الماء دورًا أيضًا. تسببت هذه العوامل الثلاث مجتمعة في إعادة تنظيم التنوع البيولوجي على مدى الخمسين عامًا الماضية، خاصة على سطح المحيط، والأنواع التي لا تستطيع التكيف أو التحرك بسرعة كافية معرضة لخطر الانقراض.
ونتيجة لذلك، نرى تغيرا في الأنماط الجغرافية والوفرة الإقليمية والمحلية للنباتات والحيوانات، مع حدوث آثار وخيمة على الرعاة والمزارعين والقناصين والصيادين والباحثين عن الطعام وغيرهم من الأشخاص الذين يعتمدون بشكل مباشر على خدمات الطبيعة. وكمثال على ذلك، تشير التقديرات إلى أن إمكانية إستدامة صيد العديد من الأسماك البحرية والمحار قد انخفضت بنسبة 4.1٪ على مستوى العالم في السبعين عامًا بين عامي 1930 و 2010 بسبب ارتفاع درجة حرارة المحيطات. كما شهدت مناطق مثل بحر الشمال انخفاضًا أقوى في إنتاجية مصايد الأسماك بسبب الاحترار في المقام الأول، وتلعب الأنشطة البشرية الأخرى أيضا مثل الصيد الجائر دورًا في هذه المعضلة.
ومن المتوقع كذلك أن تصبح حوالي 8٪ من الأراضي الزراعية اليوم غير مناسبة مناخيًا بحلول عام 2100. وفي ظل هذه الظروف، فمن المتوقع أن يخسر الصيادون في المناطق الاستوائية بأفريقيا ما بين 3 إلى 41٪ من محاصيل الصيد بحلول نهاية القرن بسبب الانقراض المحلي للأسماك البحرية، تجدر الإشارة إلى أن صيد الأسماك يعد المصدر الرئيسي للبروتين لنحو ثلث سكان إفريقيا، وهو يدعم سبل عيش 12.3 مليون شخص. قد يؤدي انخفاض حصاد الأسماك إلى جعل الملايين من الناس عرضة لسوء التغذية.
إن الزيادات في تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر والأمطار الغزيرة في جميع القارات وجميع المحيطات ، يؤدي إلى حدوث حالات موت جماعي وانقراض محلي للأنواع الحية، لأن تأثيرات تلك الأحداث تتجاوز بالفعل ما يمكن أن تتحمله العديد من الكائنات الحية. من الأمثلة البارزة للأنواع التي يتم دفعها إلى ما هو أبعد من حدود تحملها لدرجة الحرارة المرتفعة هي الشعب المرجانية في المياه الدافئة التي تموت يوما بعد يوم، يظهر تراجعها العالمي أننا لسنا بحاجة إلى النظر في المستقبل لإدراك الحاجة الملحة للعمل تحسين الأوضاع المناخية.
ستستمر هذه التأثيرات في الازدياد، مما يضعف كل من هيكل وعمل ومرونة النظم البيئية، وبالتالي الخدمات التي تقدمها، بما في ذلك قدرتها على تنظيم مناخ عالمنا. في الوقت الحاضر، تقوم النظم البيئية بإزالة وتخزين المزيد من الكربون من الغلاف الجوي أكثر مما تبعث له ، وبالتالي سيساعد ذلك بشكل طبيعي على إعادة ضبط التوازن، ولكن مع المزيد من حرائق الغابات تتحول هذه النظم البيئية من تخزين الكربون إلى تحريره كليا في المناخ.
لا يزال من الممكن عكس هذا الاتجاه من خلال استعادة النظم البيئية وإعادة بنائها وتعزيزها وإدارتها على نحو الإستدامة، مما سيدعم أيضًا رفاهية الناس وسبل عيشهم. لتحقيق هذا التوازن، يلزم إجراء تغييرات جذرية من أجل خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وذلك لتجنب المزيد من الاحترار العالمي وتأثيراته المميتة على النظم البيئية في جميع أنحاء العالم. في الواقع، البشر ليسوا سوى واحد من العديد من الكائنات الحية في عالمنا الجميل والمعقد.
إذا أعجبك هذا الموضوع لا تنسى مشاركته مع أصدقائك.

تعليقات
إرسال تعليق